#
2021-12-18

أداة زهيدة التكلفة يمكن أن تساعد على إتاحة اللقاحات على نطاق أوسع حول العالم

طور باحثون أداةً لا يزيد سعرها على دولار واحد فقط وتعمل بالكهرباء لحقن لقاحات معينة بكفاءة أكبر وعلى نحو أقل إيلامًا، عن طريق الجمع بين قداحة شواء عادية والإبر المجهرية الدقيقة التي يشيع استخدامها في الإجراءات الطبية والتجميلية، يقول مُطوِّرو تلك الأداة إنه يمكنها زيادة توافُر اللقاحات التي تحتوي على مادة جينية -ومن بينها اللقاحات التي تكافح «كوفيد-19»- في جميع أنحاء العالم.

يقول سعد باملا، المهندس الكيميائي في معهد جورجيا للتكنولوجيا والمشارك في تطوير الأداة التي تأتي بحجم قلم، والتي يُطلق عليها اسم «إي باتش» ePatch: "كل إنسان على سطح هذا الكوكب لديه حقٌّ أساسيٌّ في الوصول إلى أدوات الحمض النووي الحديثة"، و«الأدوات» التي يشير إليها باملا هنا هي لقاحات الحمض النووي والحمض النووي الريبي الرسول، التي تستخدم جزءًا من الشفرة الجينية للعامل المُمْرِض من أجل تحفيز استجابة مناعية (وعلى النقيض من ذلك، تستخدم اللقاحات التقليدية أجزاءً فعليةً من العامل المُمْرِض، أو الشكل المُضعَف أو غير النشط)، يُعد تصنيع لقاحات الحمض النووي والحمض النووي الريبي الرسول أقل تكلفةً من تصنيع اللقاحات التقليدية، كما أنه يسهل تعديلها، وهي ميزةٌ كبيرةٌ فيما يتعلق بالتعامل مع المتحوِّرات الناشئة حديثًا من الفيروسات، غير أن بعض لقاحات المادة الجينية تحتوي أيضًا على مكونات باهظة الثمن ويصعب جعلها مستقرة، وتتطلب معالجةً خاصة، وهو ما يجعلها أقل توافرًا في مناطق كثيرة من العالم، لا سيما المناطق النائية أو الأقل نموًّا، يهدف باملا وزملاؤه من وراء استخدام جهاز «إي باتش» إلى جعل لقاحاتٍ كهذه متوافرةً للجميع، وقد نُشِرَ بحثهم بتاريخ التاسع من نوفمبر في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» Proceedings of the National Academy of Sciences.

 

لكي يكون أي لقاح فعالًا، لا بد أن ينفذ إلى داخل خلايا الشخص، وتحتاج المادة الجينية في لقاحات الحمض النووي الريبي الرسول ولقاحات الحمض النووي إلى مساعدة إضافية لعبور أغشية الخلايا؛ ففي حالة لقاحات الحمض النووي الريبي الرسول (بما في ذلك اللقاحات المستخدمة حاليًّا ضد «كوفيد-19»)، يكون الحمض النووي الريبي الرسول مغلفًا بقطرة دهنية صغيرة تُسمى جسيمًا نانويًّا دهنيًّا، وتساعد هذه الجسيمات المادة الوراثية على النفاذ إلى الخلايا، بينما تعمل أيضًا على تثبيت الجزيئات سهلة التحلُّل، لكنها يجب أيضًا أن تُبقى مُتجمِّدة قبل الحقن، وهو ما يعني أن اللقاح بأكمله لا بد من حفظه في درجات حرارة منخفضة للغاية، أما لقاحات الحمض النووي فيمكن حفظها دون تجميد؛ لأنها لا تتطلب جسيمات نانوية دهنية، فهي أكثر استقرارًا من لقاحات الحمض النووي الريبي الرسول حتى من دون أي دهون مضافة، ولكي تنفذ هذه اللقاحات إلى الخلايا، فإنها تستخدم «فيروسًا ناقلًا»، وهو فيروس معدل يختلف عن الفيروس المستهدف، ولكن هذه اللقاحات أيضًا لا تخلو من عيوب؛ إذ توجد مخاوف مستمرة تتعلق بالسلامة بشأن هذه الطريقة في إعطاء اللقاح، إضافةً إلى الحقيقة القائلة إن لقاحات الحمض النووي غالبًا ما تُحفِّز استجاباتٍ مناعيةً أقل.

 

غير أن إحدى طرق تحسين إمكانيات لقاحات المادة الجينية قد تكون هي تقنية التثقيب الكهربائي، التي تعتمد على حَقن اللقاح في أثناء إخضاع المتلقي لصدمة كهربائية طفيفة للغاية، وهو ما يحفز الخلايا لفتح ثقوب في أغشيتها مؤقتًا والسماح بدخول اللقاح، من الناحية النظرية، يمكن أن يؤدي استخدام تقنية التثقيب الكهربائي في أثناء تلقِّي لقاحات المادة الجينية إلى تعزيز فاعليتها وتوافرها، فبالنسبة للقاحات الحمض النووي الريبي الرسول، يمكن أن يساعد ذلك المادة الجينية على دخول الخلايا من دون الجسيمات النانوية الدهنية، وهذا يعني أنه يمكن حفظ اللقاحات في درجة حرارة الغرفة، أما بالنسبة للقاحات الحمض النووي -التي تكون مستقرةً بالفعل في درجات حرارة أعلى- فإن الباحثين يعلقون آمالًا أكبر؛ إذ يعتقدون أن تقنية التثقيب الكهربائي من شأنها أن تساعد على توليد استجابة مناعية أقوى، وربما تساعد بالتالي على زيادة انتشار لقاحات الحمض النووي على نطاقٍ أوسع.

حتى الآن، لم تُجرَّب هذه التقنية في تجارب إكلينيكية إلا مع لقاحات الحمض النووي، وحتى هذه التجارب لا تزال في مراحلها الأولى، ولم يؤدِّ ذلك بعدُ إلى إنتاج لقاح مرخَّص، حسبما يوضح شان لو، اختصاصي المناعة في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، ويقول جيفري أولمر، المستشار والرئيس السابق للبحوث قبل الإكلينيكية والتطوير في شركة الرعاية الصحية جلاكسو سميث كلاين (والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة الجديدة): "لقد ثبت أن تقنية التثقيب الكهربائي تزيد على نحوٍ كبير من معدلات توصيل لقاح الحمض النووي وفاعليته، لكن لها حاليًّا العديد من القيود، ومن ضمنها التكلفة، والحاجة إلى أجهزة أو أدوات، وسهولة الاستخدام، إضافةً إلى مشكلات تتعلق بمدى تحمُّل المتلقي لها"، وبعبارة أخرى، فإن أجهزة التثقيب الكهربائي التقليدية هي أجهزة ضخمة تكلف آلاف الدولارات وتتطلب مصدر طاقة، وأجهزة «إي باتش» ePatch الرخيصة والبسيطة، المصنوعة من أجزاء متوافرة بسهولة، تتغلب على كل هذه المشكلات.

Iptv kaufen

اعتمد تصميم أداة «إي باتش» جزئيًّا على أبحاث باملا السابقة في تطوير مثقاب كهربائي بسعر معقول لإجراء التجارب المختبرية، هذا الجهاز الذي يشبه القلم يستخدم البلورة الكهربية الضغطية لقداحة الشواء، التي تولد نبضةً كهربيةً ضعيفةً عند الضغط عليها، وليكون ملائمًا لعملية إعطاء اللقاح، أضاف مختبر باملا مجموعةً من الإبر المجهرية إلى طرف الجهاز، تعمل هذه الإبر باعتبارها وسيلةً لدفع اللقاح إلى الجسم، وكذلك تعمل باعتبارها أقطابًا كهربائية، إذ توجه اللقاح والتيار الكهربائي نحو الخلايا أسفل سطح الجلد مباشرة.

 

عندما استخدم الفريق أداة «إي باتش» لإعطاء لقاح حمض نووي للفئران، وجدوا أنه حفز استجابة مناعية أقوى بنحو 10 مرات من تلك الناتجة عن الحَقن المعتاد، وكانت نتائجهم مشابهةً لنتائج دراسات مشابهة أُجريت بأجهزة ثقب كهربائية تقليدية، يقول مارك براوسنيتز، المهندس الكيميائي في معهد جورجيا للتكنولوجيا وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة: "منحنا ذلك أملًا في أنه يمكننا تحقيق النتائج نفسها التي تحققها تقنية التثقيب الكهربائي بآلات كبيرة، لكن باستخدام هذه الأجهزة الكهربائية زهيدة التكلفة، التي يحتمل أن تستخدم مرةً واحدة".

 

يقول أولمر إن هذا النظام يمكن أن يجعل عملية التثقيب الكهربائي أكثر سهولة، ويضيف: "لكنه في مراحل مبكرة، ولا نزال بحاجة إلى التحقق من ملاءمته للبشر"، ويتفق معه لو في الرأي قائلًا: "على مدار العقود القليلة الماضية، أُجريت دراسات على لقاحات باستخدام الحقن بالإبر المجهرية، وحققت نجاحًا لا بأس به في الفئران، لكنها لم تثبت نجاحًا مشابهًا مع البشر".

 

ولا يزال نجاح التجارب البشرية بعيدَ المنال، لذا فبدلًا من ذلك، ستكون الخطوة التالية لفريق جورجيا تيك هي تحسين الجهاز واختبار عملية إعطاء لقاح حمض نووي باستخدام أداة «إي باتش» لحيوانات أكبر من الفئران، كما يأمل الباحثون أيضًا اختبار الجهاز مع لقاحات الحمض النووي الريبي الرسول، ترواد باملا شكوك بشأن نجاح تلك التجارب؛ لأن الحمض النووي الريبي الرسول غير مستقر، لكنه يقول إنه يشعر بأنه مجبرٌ على المحاولة؛ لأنه إذا نجح في النهاية، فسنتمكن من الاستغناء عن ضرورة وجود الجسيمات النانوية الدهنية.

 

وإلى جانب زيادة توافر اللقاحات الجينية، يرى باملا أن الأجهزة منخفضة التكلفة المتوافرة بسهولة، مثل تلك التي يطورها، جزءٌ من روح "العلم المُقتصِد"، التي من شأنها أن تجعل التجارب أرخص وأسهل، يقول باملا إنه يأمل أن يدفع مشروعه الأخير الناس إلى النظر إلى التكنولوجيا على نحوٍ مختلفٍ قليلًا، ويضيف: "أريدهم أن يفكروا قائلين: إذا كان بمقدور هذا الرجل النظر إلى قداحة شواء والتفكير في جهازٍ لإعطاء لقاح حمض نووي، فما الذي يمكنني أنا فعله؟".

 

 

المصدر: www.scientificamerican.com