#
2023-11-17

الألم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

بقلم: د. عبد اللطيف بن علي صديق العريشي 

الألم مصدر للفعل ألِمَ، ويراد به: شعور داخلي بالحزن أو شعور حسي في الجسم، وفي القرآن وردت لفظة تألم، قال تعالى:" وَلَا تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" سورة النساء، الآية (102) أي تتوجعون كما يتوجعون. فالألم نوعان: ألم معنوي، وهو حزن القلب وانكساره، وألم حسي، وهو ما يحس به المرء في جسده من جرح ونحوه، والألم في الدنيا مكتوب على إنسان، ويتساوى فيه المؤمن وغيره حتى أنبياء الله قد تألموا لما أصابهم.

 ونبينا محمد صلى الله عليه قد شاب حياته الألم منذ طفولته حتى مماته، فقد ولد بعد وفاة أبيه، ودفنت أمه أمام عينيه، وهو ابن ست سنين، فعاش الصغير فاقدًا للأم، لم ينعم بحنوها وعطفها، وامتد معه الألم بعد كفالة جده، ثم عمه، وازداد ألمه بأذى قريش له بعد ما بعثه الله بالرسالة، فآذوه في نفسه بالسب والشتم، وجسده الاعتداء عليه بشتى أنواع الاعتداء وعاش ألم بناته أزواج أبناء أبي لهب، وتألم لما رآه. من آلام أتباعه من المسلمين على أيدي المشركين، عاش ثلاث سنين يتألم لحصار قومه لبني هاشم، فعاش ألم الجوع والخوف والاضطهاد، وتألم لموت عمه أبي طالب كما تألم حزناً لفراق زوجه خديجة رضي الله عنها، فعاش في مكة ثلاث عشرة سنة ذاق فيها شتى أنواع الألم حتى أذن الله بالهجرة بعد أن تعاهد قومه على قتله صلى الله عليه وسلم.

فخرج من بيته خفية، تاركاً وراءه زوجه وبناته عند أعدائه، إنه ألم وأي ألم! واختبأ في الغار، خوفًا من ملاحقة المشركين له بعد أن يشيع أمره، واتخذ طريقاً بعيداً لم يعتده الرحالة حتى نزل المدينة. لكن آلامه لم تنته، ففي يوم أحد اجتمع عليه المشركون، وكادوا أن يقتلوه، فكسروا رباعيته ودخلت حلقات الدرع في وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم، وسالت دماؤه، واشتد اليوم عليه حتى نجاه الله…

ونجاه الله من اليهود من القتل حين ذهب إليهم للصلح، فقد نادوه ليقتلوه لكن الله حفظ نبيه وغادرهم قبل غدرهم.

وتألم النبي صلى الله عليه أشد الألم من منافقي المدينة عندما قالوا في عرضه ما قالوا، فبقي شهرًا يتألم، وزوجه عائشة رضي الله عنها في بيت أبيها تتألم هي الأخرى لمقالة قالها رأس المنافقين، ولاكتها ألسنتهم حتى استنجد صلى الله عليه وسلم بالمسلمين قائلًا: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما أعلم عن أهلي إلا خيراً" وحدث ما حدث. ثم نزلت البشرى من الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ببراءة أم المؤمنين رضوان الله عليها.

 وبكى حزناً وألماً لموت ابنه إبراهيم، ولمقتل عمه حمزة رضي الله عنه ألماً شديداً، وتألم النبي صلى الله عليه عندما داهمه المرض فاشتد عليه حتى كان يغشى عليه من شدة الألم حتى توفي صلى الله عليه وسلم…

 فهذا نبي الأمة الرحمة المهداة قد أصابه ما أصابه من الأذى والألم لكنه ظل صابراً على ما أصابه، موقناً بقول الله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" سورة البقرة الأيات (155-157).

 فعلّم الصحابة رضوان الله عليهم كيف يعيشون مطمئنين مؤمنين بما كتب الله عليهم من الأذى والألم، وأمرهم بالصبر حتى يكونوا من الصابرين، وهذا واجب على كل مسلم.

المصدر كتاب الألم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.